أصبحت الدبلوماسية الدينية اليوم أداة فاعلة لبناء السلام وحل النزاعات، حيث تتحول القيم الدينية من رموز روحية إلى قوة ناعمة تعزز الحوار والتفاهم بين الشعوب. ويكتسب هذا المسار أهمية متزايدة في ظل تصاعد النزاعات ذات الخلفيات الدينية، وتراجع ملحوظ لقدرة الحلول السياسية والأمنية التقليدية على احتواء الأزمات. وهنا يبرز الدين، بقيمه العليا، حين يُستثمر بوعي واستراتيجية، كأحد المفاتيح الأكثر تأثيرًا في صناعة الاستقرار وبناء الثقة، لا سيما في مناطق النزاعات.
يقدم هذا الكتاب مقاربة علمية وتحليلية معمقة لمفهوم الدبلوماسية الدينية ونظرياتها بوصفها مسارًا جديدًا في إدارة النزاعات وبناء السلام المستدام، من خلال دراسة التجربة العربية، مع التركيز على نموذجي مصر والمغرب. ويكشف المؤلفان كيف نجحت هاتان الدولتان في استثمار الدين ضمن إطار مؤسسي منضبط، ليصبح أداة للحوار والتقريب، لا عاملًا للصراع والانقسام.
في السياق المصري، يستعرض الكتاب الدور المحوري الذي تضطلع به مؤسسات دينية عريقة، مثل: الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، ووزارة الأوقاف، إلى جانب الكنيسة القبطية والهيئة القبطية الإنجيلية، في ترسيخ ثقافة الوسطية، وتجديد الخطاب الديني، وتعزيز العيش المشترك بين مكونات المجتمع، ودعم جهود الدولة في مواجهة التطرف وبناء السلم المجتمعي، فضلًا عن تعزيز الدور المصري خارجيًا.
أما في المغرب، فيسلط المؤلفان الضوء على خصوصية نموذج إمارة المؤمنين، والزوايا الصوفية، والمجالس العلمية، ودورها في ترسيخ الاعتدال الديني، وتعزيز الحضور المغربي كفاعل ديني مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.
ولا يقتصر هذا العمل على الجانب النظري فحسب، بل يقدم أدوات تطبيقية وحقائب تدريبية موجهة للدبلوماسيين، وصناع القرار، والقيادات الدينية، والباحثين، وجميع العاملين في مجال الدبلوماسية الدينية، بما يجعله دليلًا علميًا وعمليًا لفهم وتفعيل هذا المسار في الوقاية من النزاعات وصناعة السلام العالمي.
يمثل هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومرجعًا مهمًا لكل من يسعى إلى فهم كيف يمكن للقيم الدينية، حين تُدار بوعي استراتيجي، أن تتحول من مصدر توتر إلى رافعة للتعايش والعدالة والتعاون بين الأمم.














المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.