أصبحت ظاهرة الفاعلين من غير الدول أحد المحاور المركزية في تحليل السياسة الدولية المعاصرة، بعد أن توسّع حضورها وتأثيرها في مناطق متعددة من العالم خلال العقود الأخيرة. فقد أثبتت هذه الكيانات—بأشكالها المتنوعة من حركات مسلّحة وجماعات اجتماعية وشبكات عابرة للحدود—قدرتها على التأثير في مسارات الحكم والسلطة، بل ومنافسة الدولة ذاتها على وظائفها التقليدية. ويأتي هذا الكتاب ليقدّم معالجة علمية منهجية لهذه الظاهرة من خلال دراسة حالة صعود حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان، باعتبارها نموذجًا يمكن من خلاله قراءة الديناميات الأوسع التي تفسّر انتقال فاعل مسلّح من موقع الهامش إلى مركز الدولة، في ظل تحولات إقليمية ودولية أعادت تشكيل موازين القوة في مناطق الصراع.
يركّز الكتاب على تحليل مسار صعود حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان مرتين، مستكشفًا العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في ذلك، بما يشمل طبيعة المجتمع الأفغاني وخصائصه القبلية، وتركيب الهوية الطالبانية، والبنية التنظيمية التي حافظت على تماسك الحركة رغم الضغوط العسكرية والسياسية.
كما يتناول أثر الديناميات الجيوسياسية وتدخلات القوى الإقليمية والدولية، وصولًا إلى تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وما فتحه من فراغ أمني أتاح للحركة العودة إلى الحكم. ويمضي الكتاب في تفكيك بنية الفكر الطالباني، وطبيعة سلوكياته تجاه المجتمع الأفغاني، وسياسات الحكم التي اعتمدتها الحركة في فترتي سيطرتها، بالإضافة إلى استشراف انعكاسات هذه التجربة على أنماط مماثلة لصعود فواعل مسلحة في مناطق أخرى من العالم.
يُعد هذا الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بقضايا الأمن الإقليمي، والعلاقات الدولية، ودراسات الحركات المسلحة، إذ يقدّم إطارًا تحليليًا يمكن البناء عليه لفهم ظاهرة آخذة في التنامي، وتعيد تشكيل خريطة السلطة في النظام الدولي المعاصر.














المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.