منذ أن حل التليفزيون محل الراديو باعتباره الوسيلة الأكثر شعبية في الخمسينيات من القرن العشرين، لعب التليفزيون دورًا أساسيًا في الحياة الحديثة، لدرجة أنه يصعب على البعض تخيل العيش بدونه.

يعكس التليفزيون ويشكل القيم الثقافية، وقد تعرض في بعض الأحيان لانتقادات بسبب تأثيراته السلبية المزعومة على الأطفال والشباب، تم الإشادة به في أحيان أخرى لقدرته على خلق تجربة مشتركة لجميع مشاهديه.

منذ منتصف القرن العشرين، كان التليفزيون أشبه بنافذة تُطل منها العائلة على العالم، تجمعهم في لحظة صمت مشترك، وانتباه جماعي، وطقوس يومية تُعيد تعريف المسافة بين “المُرسل” و”المتلقي”. لم يكن التليفزيون مجرد وسيلة إعلام؛ بل كان جهازًا يعيد تشكيل الوعي الجمعي، يختزن الذاكرة الجمعية، ويمنح الروايات الكبرى شكلًا بصريًا ومكانًا في الحياة اليومية.

لكن هذه النافذة بدأت تتشقق. مع صعود التكنولوجيا الرقمية، لم يعد البث خطيًا، ولا الجمهور متلقيًا صامتًا. دخلنا زمنًا تتداخل فيه المنصات، تتفتت فيه الشاشات، ويغدو فيه المشاهد مُنتجًا، والمُحتوى خاضعًا لخوارزميات لا مرئية توجهه حسب نماذج تنبؤية، وبيانات مجمعة، ودوائر ربحية دقيقة. هنا لم تعد قواعد اللعبة الإعلامية كما كانت؛ بل دخل التليفزيون عصرًا يُعاد فيه تعريفه، يُقاوم فيه الانقراض، ويتفاوض فيه على مكانه داخل منظومة إعلامية هجينة، شديدة السيولة.

عبارة “شديدة السيولة” في هذا السياق تُشير إلى منظومة إعلامية متغيرة باستمرار، غير مستقرة، وسريعة التحول وهي استعارة مأخوذة من فكرة “الحداثة السائلة” (liquid modernity) لزيغمونت باومان، أي عالم لم تعد فيه الحدود ثابتة ولا القواعد مستقرة.

Additional information

سنه النشر

Reviews

There are no reviews yet.

Be the first to review “صناعة التليفزيون اتجاهات التكنولوجيا العالمية”

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Reviews

There are no reviews yet.

Be the first to review “صناعة التليفزيون اتجاهات التكنولوجيا العالمية”

Your email address will not be published. Required fields are marked *