في أسطورة “بروميثيوس” عهد كبير الآلهة اليونانية “زيوس” إلى “بروميثيوس” وأخيه “إبيمثيوس” بخلق الحيوانات والبشر، بدأ “إبيمثيوس” في تنفيذ المهمة التي أوكلت إليه وانتهى بسرعة من خلق الحيوانات، بينما كان “بروميثيوس” بطيئًا في تنفيذ مهمة خلق البشر؛ لأنه كان يعمل بإتقان شديد. هكذا استهلك “إبيمثيوس” كل الصفات المتاحة وأعطاها للحيوانات؛ فمنحها السرعة، والبصر الحاد، والقدرة على السمع من مسافات بعيدة، كما أعطاها مختلف الأسلحة ليدافعوا بها عن أنفسهم مثل: القرون والأنياب والمخالب والأسنان الحادة، ولم يتبقَ لـ”بروميثيوس” صفات يعطيها للإنسان. هكذا حظيت الحيوانات غير العاقلة على كل القوى المتاحة، بينما أصبح الإنسان عاجزًا وضعيفًا بلا أي شيء يحميه. يشفق “بروميثيوس” على البشر، فيسرق سر النار من الإلهة “هيفاستوس”، ويسرق الحكمة والفنون من “أثينا” ويعطيها للبشر. هكذا تحول الإنسان العاجز إلى كائن عاقل يمتلك قدرًا من المعرفة يتزايد باستمرار، وأصبح بفضل العقل والقدرة على الإدراك والفهم قادرًا على الابتكار والاختراع، وبدأ منذ ذلك الحين مسيرة اكتشاف الكون والتقدم العلمي والاختراعات، واستطاع بعقله ومهاراته تطويع الطبيعة ومواجهة أخطارها.
تلك هي الأسطورة الإغريقية عن خلق البشر. أما في الكتب السماوية، فقد خُلق الإنسان مع هبة العقل والعلم، والتي تمكن بفضلهما من ترسيخ سيادته على الأرض والسيطرة على معظم المخلوقات. وجعله العقل الذي وهبه الله له مدفوعًا بشكل دائم إلى الرغبة في مزيد من المعرفة والتطور، وهو التطور الذي لم يهدأ أبدًا منذ أن خُلق الإنسان حتى الآن.
لكن العقل والمعرفة والرغبة في مزيد من المعرفة، نعمة ونقمة في الوقت نفسه، لهذا تغضب الآلهة من “بروميثيوس” وتعاقبه بربطه في صخرة، حيث يأتي كل يوم نسر عملاق يأكل كبده، ثم ينمو له كل مساء كبد جديد، ليأتي النسر من جديد ويأكله. فهل عاقبته الآلهة بهذا العذاب الذي لا ينتهي لأنها تعرف أن المعرفة والعلوم سوف تكون سببًا في دمار من يملكها إذا لم يحسن التصرف؟
ازدادت ثقة الإنسان في قدراته العقلية ومهاراته مع الوقت ومع زيادة الاختراعات والاكتشافات والمعارف، واستطاع أن يجد شرحًا منطقيًّا عقلانيًّا لبعض الألغاز في الكون بطريقة علمية، فبدأ يتخلى شيئًا فشيئًا عن إيمانه بالغيبيات، وأصبح يؤمن إيمانًا مطلقًا بالعلم، وأن العقل قادر على تنظيم العالم، وأن القوانين التي يضعها قادرة على تنظيم حركة الناس والطبيعة أيضًا. ثم اخترع الإنسان الكمبيوتر، وطور نظامًا جديدًا يسير وفق خوارزميات ومعلومات وبيانات مخزنة، وأصبحت الآلة أكثر تحكمًا في الإنسان، وبدأ يعتمد عليها في تحديد سير حياته؛ فأصبح التقدم غاية في حد ذاتها، لا وسيلة، لا يملك الإنسان أن يوقفه.







المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.