في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتشابك فيه خيوط التكنولوجيا مع الإبداع الإنساني، تبرز الملكية الفكرية كأحد أهم الركائز القانونية التي تحمي ثمرة الابتكار من التعدي والسطو. ومع تعاظم التحديات التي أفرزتها البيئة الرقمية المعاصرة، يصبح تناول الحماية الجزائية لهذه الحقوق ضرورة لا غنى عنها لفهم العلاقة بين الإبداع والعدالة الجنائية.
يأتي هذا الكتاب ليسلط الضوء على الملكية الفكرية من منظور جنائي مقارن متخذًا من الأنظمة القانونية في فرنسا وسوريا والسعودية ومصر ميدانا للتحليل والدراسة. يبحر المؤلف في أعماق النصوص التشريعية وأحكام القضاء، كاشفًا عن أوجه التشابه والاختلاف في كيفية مواجهة الجرائم الماسة بالحقوق الأدبية والفنية والصناعية مثل جرائم التقليد والتزييف والاعتداء على الحقوق المجاورة، والاستغلال غير المشروع للمصنفات.
يتميز الكتاب بمنهجه التحليلي الدقيق الذي لا يكتفي باستعراض النصوص، بل يسعى إلى تفسير الأركان المكوّنة للجرائم وتوضيح فلسفة المشرع في كل نظام قانوني، مع إبراز الجزاءات الجنائية المقررة للمخالفين. وإلى جانب ذلك، يربط المؤلف بين الإطار النظري والواقع العملي، مستعرضًا التحديات التي تفرضها الثورة الرقمية والوسائط المتعددة، وكيفية استجابة التشريعات لمخاطر مثل النشر غير المشروع أو التزوير الرقمي.
ولا يقتصر الكتاب على الجانب الوصفي، بل يحمل في طياته رؤية نقدية تتساءل: هل تكفي القوانين الوطنية لمواجهة التعديات المعقدة على الملكية الفكرية؟ أم أن الحاجة باتت ملحة لمواءمة أوسع مع المعايير الدولية؟ ومن خلال هذه المقاربة، يقدم المؤلف دعوة لإعادة التفكير في السياسة الجنائية الخاصة بالملكية الفكرية، بما يضمن حماية فعالة للابتكار ويعزز ثقة المبدعين والمستثمرين في آن واحد.
إن هذا العمل ليس مرجعًا للباحثين والدارسين فحسب، بل هو دليل عملي لكل من القضاة، والمحامين والمشرعين وحتى المبدعين أنفسهم، لما يتضمنه من تحليل معمق وتوصيات عملية تسعى إلى تقوية الحصن القانوني الذي يحمي الفكر والإبداع.
في النهاية، يقدم الكتاب رؤية شمولية تعكس خبرة المؤلف الأكاديمية والعملية، ليكون إضافة رصينة للمكتبة القانونية العربية ولبنة جديدة في مسار تطور الفكر الجنائي المقارن. فهو ليس مجرد مؤلف في القانون، بل جسر يصل بين النظرية والتطبيق، وبين القاعدة القانونية وروح العدالة، في مواجهة التحديات المتجددة للملكية الفكرية في القرن الحادي والعشرين.














المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.